حدد الخبير الاقتصادي والمستشار الاستراتيجي الإسرائيلي، إيال الشاكس، مجموعة من العوامل التي ساهمت عوامل حتى الآن في إنقاذ حكم (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي في مصر، مشيرًا إلى جملة من التغيرات الراهنة.
وشرح الشاكس في مقال عبر منصة "إكس" نشرته صحيفة "معاريف" العبرية، ما يحدث في الاقتصاد المصري منذ الحرب مع إيران، قائلاً: "تُعدّ التطورات في مصر دراسة حالة مثيرة للاهتمام، إذ إنّ اجتماع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب مع الوضع الجيوسياسي قد وضع مصر في موقف صعب، يختلف عن الأزمات السابقة".
وأضاف: "في كل مقال كتبته تقريباً عن الاقتصاد المصري، كان الموضوع، ولا يزال صحيحًا، هو أن "مصر تعاني من مشكلة مزمنة ولكن لديها "خطوط نجاة، لكن الحرب في إيران فاقمت المشكلة وعرضت خطوط النجاة للخطر".
مشاكل الاقتصاد المصري
وحدد مشاكل الاقتصاد المصري في الآتي:
يتزايد عدد السكان بسرعة. قبل عشر سنوات كان عددهم 100 مليون نسمة، أما اليوم فقد بلغ ما يقارب أو تجاوز 120 مليون نسمة. كل هؤلاء الناس بحاجة إلى الماء والغذاء والكهرباء والسكن والطرق وفرص العمل.
يعتمد اقتصاد مصر على استيراد السلع الأساسية، بما في ذلك القمح والغذاء والنفط والغاز (إذ تستهلك مصر بالفعل من الغاز أكثر مما تنتج)، وهذا ما يجعلها شديدة التأثر بالتقلبات الدولية، مثل جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والأزمات في الشرق الأوسط.
تهديدات جيوسياسية متنوعة تؤثر على الاقتصاد: الحرب الأهلية في السودان جنوبًا وليبيا غربًا، وعدم الاستقرار والإرهاب في المناطق الحدودية (بما في ذلك سيناء وغزة)، وتأثير سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، وتهديدات الحوثيين للبحر الأحمر التي تقلل من عائدات النقد الأجنبي من قناة السويس، والاعتماد على السياحة، التي تتأثر بالتطورات الأمنية.
نظامٌ عام وعسكري واسع النطاق ومُحكم يُقصي القطاع الخاص. الجيش تحديدًا مُنخرطٌ بشكلٍ كبير في الاقتصاد، وقد كتبتُ عن هذا بالتفصيل سابقاً. وهذا يعني أيضًا إنفاق عشرات المليارات على مشاريع استعراضية في الصحراء، وهو موضوعٌ كتبتُ عنه أيضًا.
وكتب قائلاً: "كانت شريان الحياة لمصر يتمثل أساسًا في المساعدات الخارجية: قروض واستثمارات ومساعدات مباشرة من دول الخليج وصندوق النقد الدولي، بعشرات المليارات التي تُجدد كل بضع سنوات. وقد ساهمت هذه الأموال في استقرار الاقتصاد. وكمثال بارز، أعلنت الإمارات العربية المتحدة في عام 2024 عن استثمار بقيمة 35 مليار دولار في الساحل الشمالي لمصر، وهو ما يُعدّ نوعًا من الاستحواذ على هذه المنطقة مقابل الأموال التي تحتاجها مصر".
وأضاف: "إذن، من أزمة إلى أخرى، لا تنهار مصر، بل وتتمكن من التعافي بفضل المساعدات. ولكن بسبب الأزمات، تفشل أيضًا في تحقيق نمو ملحوظ على الرغم من الإصلاحات الاقتصادية الهامة (وماذا لو لم تكن هناك أزمات؟ هذا مجرد افتراض نظري)".
دور الحرب في إيران
اقتصاديًا، قال الخبير الاقتصادي: "تبدو هذه الأزمة مألوفة. فقد شهدنا ما لايقل عن ثلاث أو أربع أزمات مماثلة منذ عام 2020. وها نحن نعود إلى المربع الأول. الرئيس المصري السيسي لا يملك دقيقة لالتقاط أنفاسه. أسعار الواردات في ارتفاع، والنفط شحيح، وإسرائيل تجمد مؤقتًا نقل الغاز، وحركة السفن عبر قناة السويس أقل (هناك، بالطبع، صلة بين هرمز والسويس، ومخاوف بشأن باب المندب). ومصر تحديدًا من بين الدول التي تضررت بشدة من الأزمة الإيرانية: فهي مستوردة للطاقة، وتتأثر بتقلبات السياحة وسلاسل التوريد، وتفتقر إلى العملات الأجنبية".
وتابع: "في الواقع، غادرت نحو 10 مليارات دولار من الاستثمارات السائلة ("الأموال الساخنة") مصر فور اندلاع الحرب، مما أدى إلى ضعف العملة وانهيار أسواق الأسهم. كما تضررت الصادرات، إذ تمثل دول الخليج نحو خُمس الصادرات المصرية".
وأضاف: "استجابت مصر، جزئيًا، بخططها المعتادة لمثل هذه الأزمات، والتي سبق تطبيقها. شملت هذه الخطط رفع الأسعار بحذر، وشراء الغاز المسال الأغلى ثمنًا، واتخاذ تدابير لخفض التكاليف (مثل إطفاء أجهزة التكييف في المراكز التجارية)، والاقتراض بالعملات الأجنبية للحفاظ على احتياطيات كافية. كما أدت الأزمات المتكررة إلى الحاجة إلى سيولة كافية لدى البنك المركزي والبنوك التجارية، بما في ذلك بالعملات الأجنبية، ما جعلها مستعدة نسبيًا لأي صدمة مفاجئة".
لكن الأزمة هذه المرة مختلفة لأسباب جيوسياسية. فقد هاجمت إيران دول الخليج، وتوقعت أن تقف الدول العربية الأخرى، وبخاصة دول مثل مصر التي تلقت منها مساعدات كبيرة، إلى جانبها. إلا أن الرد المصري كان حذرًا للغاية، ولم ينحاز صراحةً إلى جانب دول الخليج، بل اتخذ موقفًا محايدًا. وهذا يعكس عمومًا نزعة الحذر التي تنتهجها مصر في السنوات الأخيرة، والتي سعت أيضاً إلى التقارب مع خصمها السابق تركيا، كما يشير التحليل.
استياء دول الخليج من التوازننات المصرية
وأشار إلى أن هذه المرة، لم يرق ذلك لدول الخليج، على أقل تقدير. ولم تتوانَ عن التعبير عن استيائها من سلوك مصر. كان الشعور السائد هو التخلي عن الأصدقاء في لحظة الحقيقة. أضف إلى ذلك تكاليف الحرب على دول الخليج، والنتيجة هي: عندما تقع الأزمة القادمة في مصر، هل ستكون دول الخليج مستعدة لتقديم مبالغ مماثلة لإنقاذ مصر من الأزمة كما فعلت عدة مرات من قبل؟ على الأرجح أقل.
وأردف: "ولعل مصر تدرك ذلك، ولذا فإن سياستها الاقتصادية أكثر حذرًا هذه المرة. فما تفعله مصر، على سبيل المثال، خلافًا لما فعلته سابقًا، هو ترك السوق يُحدد سعر صرف الليرة المصرية. ولذا، نشهد، على غير العادة، انخفاضًا في قيمة الليرة بنحو 12% منذ اندلاع الحرب (انظر الرسم البياني)، دون تدخل يُذكر من البنك المركزي. في السابق، كان سعر صرف الليرة ثابتًا، باستثناء فترات محددة من خفض قيمتها المفاجئ والمُتحكم فيه (نوع من "التخفيض التدريجي" كل بضع سنوات، بينما نشهد اليوم تقلبات يومية)".
وأوضح أن هذا يُمكّن مصر من توفير العملات الأجنبية اللازمة للحفاظ على سعر الصرف وعدم إثارة قلق الاقتصاديين الدوليين، وبالتالي يمنع حدوث أزمة مالية ويُغني عن الحاجة إلى مساعدات خارجية فورية. لكن المشكلة تكمن في أن ذلك سيرفع معدل التضخم (وسيستغرق الأمر وقتًا حتى ينعكس ذلك في البيانات)، ويُهدد بإثارة استياء الشعب المصري، وبالتالي يُعرّض الاستقرار الداخلي للخطر. بعبارة أخرى، في معادلة الاستقرار الداخلي والاستقرار الاقتصادي، يخشى السيسي حاليًا من الأخير أكثر، وربما لأسباب وجيهة. وربما يُشير هذا إلى نوع من الثقة في الاستقرار الداخلي الذي حققه السيسي.
ومصى التحليل إلى وصف ما يحدث، مشيرًا إلى أنه أكثر حذرًا لأن المستقبل لا يبدو مُشرقًا، لأنه "وبغض النظر عن الخسارة المُحتملة للدعم الخليجي، سأذكر رقمًا واحدًا فقط: 64%. هذا هو معدل الإنفاق الحكومي المصري المُخصص فقط لفوائد الديون ونفقاتها (وتُمثل الفوائد وحدها حوالي 60% من إيراداتها المُستقلة). بعبارة أخرى، تبدأ مصر العام بـ 36% فقط من ميزانيتها. كل شيء آخر يذهب إلى الدائنين. وهذه النسبة في ازدياد مستمر".
وخلص إلى القول: "هذا رقم مرتفع للغاية، ويضع مصر في أقصى درجات الحساسية".
https://www.maariv.co.il/economy/international/article-1324201

